فصل: الشاهد السابع والسبعون بعد الثمانمائة(br)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: خزانة الأدب وغاية الأرب ***


الشاهد السابع والسبعون بعد الثمانمائة

‏؟‏فقلت‏:‏ ادع أخرى وارفع الصوت جهرةً لعل أبي المغوار منك قريب على أن لعل في لغة عقيل جارة كما في البيت‏.‏ ولهم في لامها الأولى الإثبات والحذف، وفي الثانية الفتح والكسر‏.‏

قال ابن جني في سر الصناعة‏:‏ حكى أبو زيد أن لغة عقيل لعل زيد منطلق بكسر اللام إلخ رة من لعل وجر زيد‏.‏

قال كعب بن سعد الغنوي‏:‏‏؟‏فقلت‏:‏ ادع أخرى وارفع الصوت جهرةً لعل أبي المغوار منك قريب وقال أبو الحسن‏:‏ ذكر أبو عبيدة أنه سمع لام لعل مفتوحة في لغة من يجر في قول الشاعر‏:‏

لعل الله يمكنني عليه *** جهاراً من زهير وأسيد

انتهى‏.‏

ونقل ابن مالك وغيره اللغتين إلخ ريين في عل كما نقل الشارح المحقق‏.‏ وعقيل بالتصغير‏:‏ أبو قبيلة، وهو عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح إلخ اء المعجمة والصاد المهملة بعدها فاء، ابن قيس بن عيلان بن مضر‏.‏ كذا في جمهرة الكلبي‏.‏

وقول الشارح المحقق‏:‏ وهي مشكلة لأن جرها عمل مختص بالحروف‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، أقول‏:‏ لا إشكال فإنها موضوعة بوضعين‏:‏ فهي موضوعة عند قوم لعمل النصب والرفع معاً، وعند قوم أخر لعمل الجر كوضع لفظ لأمرين مختلفين‏.‏ فعملهما للرفع والجر بوضعين لا بوضع واحد خلافاً للشارح في قوله‏:‏ وكون حرف عامل عمل الحروف والأفعال في حالة واحدة مما لم يثبت‏.‏

وإن أراد من الحالة الواحدة كونها لمعنىً واحد، وهو الترجي في العملين فلا بدع، ولها نظائر منها‏:‏ خلا، وعدا، وحاشا في الاستثناء، فإنها تكون تارة فعلاً فترفع وتنصب، وتارة حرفاً فتجر، والمعنى في العملين واحد‏.‏

وإن أراد الحرفية في العملين، فممنوع أيضاً، فإن لات تعمل عمل ليس، وتكون حرف جر أيضاً، وهي حرف في العملين‏.‏

بل في عمل لعل الجر إدخالها في قولهم‏:‏ ما اختص بقبيل ولم يكن كالجزء منه حقه أن يعمل العمل إلخ اص به‏.‏ ففيه مراجعة أصل مرفوض‏.‏ وإنما خرجت مع أخواتها عن هذا الأصل لشبهها بالفعل، ولذلك قال الجزولي‏:‏ وقد جروا بلعل منبهة على الأصل‏.‏

وقول الشارح المحقق‏:‏ وأيضاً الجار لا بد له من متعلق، ولا متعلق ها هنا‏.‏‏.‏إلخ، أقول‏:‏ هي من جملة حروف جر لا تتعلق بشيء‏.‏

قال ابن هشام في المغني‏:‏ اعلم أن مجرور لعل في موضع رفع بالابتداء، لتنزيل لعل منزلة الجار الزائد في نحو‏:‏ بحسبك درهم، بجامع ما بينهما من عدم التعلق بعامل‏.‏

وقوله‏:‏ قريب، خبر ذلك المبتدأ‏.‏ ومثله لولاي لكان كذا، على قول سيبويه إن لولا جارة؛ وقولك‏:‏ رب رجل يقول ذلك، ونحوه‏.‏ انتهى‏.‏ وقد ذكر في الباب الثالث منه الحروف التي لا تتعلق بشيء، قال‏:‏ يستثني من قولنا‏:‏ لا بد لحرف الجر من متعلق، ستة أمور‏:‏ أحدها‏:‏ الحرف الزائد كالباء ومن، في قوله‏:‏ وكفى بالله شهيداً ، وهل من خالق غير الله ‏.‏ وذلك لأن معنى التعلق الارتباط المعنوي‏.‏ والأصل أن أفعالاً قصرت عن الوصول إلى الأسماء، فأعينت على ذلك بحروف الجر، والزائد إنما دخل في الكلام تقوية له وتوكيداً، ولم يدخل للربط‏.‏

الثاني‏:‏ لعل في لغة عقيل؛ لأنها بمنزلة الحرف الزائد‏.‏ ألا ترى أن مجرورها في موضع رفع بالابتداء، بدليل ارتفاع ما بعده على إلخ برية، قال‏:‏

لعل أبي المغوار منك قريب

ولأنها لم تدخل لتوصيل عامل، بل لإفادة معنى التوقع‏.‏ ثم إنهم جروا بها منبهةً على أن الأصل في الحروف المختصة بالاسم أن تعمل الإعراب المختص به كحروف الجر‏.‏

الثالث‏:‏ لولا، فيمن قال‏:‏ لولاي ولولاك ولولاه، على قول سيبويه‏:‏ أن لولا جارة للضمير، فإنها أيضاً بمنزلة لعل في أن ما بعدها مرفوع المحل بالابتداء، فإن لولا الامتناعية، تستدعي جملتين كسائر أدوات التعليق‏.‏

والرابع‏:‏ رب في نحو‏:‏ رب رجل صالح لقيته، ولقيت، لأن مجرورها مفعول في الثاني، ومبتدأ في الأول، ومفعول، على حد‏:‏ زيداً ضربته، ويقدر الناصب بعد المجرور لا قبل الجار، لأن رب لها الصدر من بين حروف الجر، وإنما دخلت في المثالين لإفادة التكثير والتقليل، لا لتعدية عامل‏.‏

الخامس‏:‏ كاف التشبيه، قاله إلخ فش وابن عصفور، مستدلين بأنه إذا قيل‏:‏ زيد كعمرو، فإن كان المتعلق استقر، فالكاف لا تدل عليه، وإن كان فعلاً مناسباً للكاف، وهو أشبه فهو متعد بنفسه‏.‏ والحق أن جميع الحروف الجارة الواقعة في موضع إلخ بر، ونحوه تدل على الاستقرار‏.‏

السادس‏:‏ حروف الاستثناء، وهي‏:‏ خلا، وعدا، وحاشا إذا خفضن، فإنهن لتنحية الفعل عما دخلن عليه، كما أن إلا كذلك، وذلك عكس معنى التعدية، وهو إيصال معنى الفعل إلى الاسم‏.‏ انتهى باختصار‏.‏

وقول الشارح المحقق وفي البيت الذي أنشدناه‏:‏ إن روي بفتح اللام إلخ يرة يحتمل أن يقال‏:‏ اسم لعل وهو ضمير الشأن مقدر‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، ويكون لأبي المغوار خبر مقدم، وقريب‏:‏ مبتدأ مؤخر بتقدير موصوف، ومنك حال من ضمير قريب، والجملة‏:‏ خبر ضمير الشأن‏.‏ وهذا قول ابن عصفور، قال في شرح الجمل‏:‏ واستدل الذي ذهب إلى أن لعل مفتوحة اللام من حروف إلخ فض، بقوله‏:‏ لعل أبي المغوار‏.‏

وهذا لا حجة فيه عندي، لإنه قد استقر في لعل المفتوحة اللام أن تنصب وترفع، فإن أمكن إبقاؤها على ما استقر فيها كان أولى‏.‏ وقد أمكن ذلك بأن يكون اسم لعل ضمير الشأن محذوفاً، يريد لعله، على حد حذفه في قول إلخ ر‏:‏

إن من لام في بني بنت حس *** ن‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

ويكون أبي المغوار مخفوضاً بحرف جر محذوف، لفهم المعنى، تقديره‏:‏ لعل لأبي المغوار منك جواب قريب‏.‏

ونظيره قول إلخ ر‏:‏ لاه ابن عمك، يريد‏:‏ لله ابن عمك، ويكون قريب صفة موصوف محذوف‏.‏ وحمله على هذا أولى، وإن كان فيه ضرورتان‏:‏ حذف ضمير الشأن، وحذف حرف الجر، وإبقاء عمله‏.‏

واستدل الذي ذهب إلى أن لعل المكسورة اللام حرف جر، بقوله‏:‏

لعل الله فضلكم علين ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

بخفض اسم الله‏.‏ وهذا عندي ينبغي أن يحمل على ظاهره، لأنه لم يستقر في المكسورة اللام عمل النصب والرفع‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

وكأنه لم يبلغه فتح لام الجارة عن أبي عبيدة كما نقلناه‏.‏

وقول الشارح المحقق‏:‏ ويجوز أن يقال‏:‏ ثاني لامي لعل محذوف‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، هذا القول وما بعده في رواية كسر اللام للفارسي، قال في كتاب الشعر، في باب ما لحق الحروف من الحذف‏:‏ يجوز تخفيف لعل، كما يخفف أن وكأن‏.‏ وعلى التخفيف يعلم ما أنشده أبو زيد‏:‏

لعل أبي المغوار

إن فتحت اللام وكسرت، فوجه الكسر ظاهر‏.‏ وأما الفتح فلأن لام الجر يفتحها قوم مع المظهر، كما تفتح مع المضمر، فإنما خفف لعل، وأضمر فيه القصة والحديث، كما أضمر في إن، وأن، والتقدير‏:‏ لعله لأبي المغوار قريب، أي‏:‏ جواب قريب؛ فأقام الصفة مقام الموصوف‏.‏ انتهى‏.‏

وكذا قال المرادي في شرح التسهيل، وتأوله الفارسي على تخفيف لعل، وأن فيها ضمير الشأن، ووليها في اللفظ لام الجر مفتوحة ومكسورة‏.‏ فالجر باللام، ولعل على أصلها‏.‏ انتهى‏.‏

وكذا لابن هشام في المغني، قال‏:‏ وزعم الفارسي، أنه لا دليل في ذلك، لأنه يحتمل أن الأصل لعله لأبي المغوار جواب قريب، فحذف موصوف قريب وضمير الشأن ولام لعل الثانية تخفيفاً، وأدغمت الأولى في لام الجر، ومن ثم كانت مكسورة‏.‏

ومن فتح فهو على لغة من يقول‏:‏ المال لزيد بالفتح‏.‏ وهذا تكلف كثير‏.‏ ولم يثبت تخفيف لعل‏.‏ انتهى‏.‏

وقال المرادي في الجنى الداني‏:‏ وهذا التخريج ضعيف من أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ أن تخفيف لعل لم يسمع في غير هذا البيت‏.‏

والثاني‏:‏ أنها لا تعمل في ضمير الشأن‏.‏

والثالث‏:‏ أن فتح لام الجر مع الظاهر شاذ‏.‏ انتهى‏.‏

وقد أخذ ابن الشجري قول الفارسي وتصرف فيه، ولم يعتبر ضمير الشأن، قال في أماليه‏:‏ سألني حبشي بن محمد بن شعيب الواسطي، عن قول كعب بن سعد‏:‏ لعل أبي المغوار، فأجبت بأنه أراد لعل لأبي المغوار منك مكان قريب، فخفف لعل وألغاها كما يلغون إن وأن ولكن إذا خففوهن‏.‏

ولما حذف اللام المتطرفة بقي لعل ساكن اللام، فأدغمها في لام الجر لاستثقال الكسرة على المضاعف‏.‏ والقياس في إلخ ط أن تكتب منفصلة من لعل‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

وقيل جر أبي المغوار على الحكاية، نقله المرادي‏.‏ وهذا كله تكلف‏.‏ وإذا صحت اللغة بنقل الأئمة كأبي زيد والفراء، فلا معنى لتأويل بعض شواهدها‏.‏

قال ابن مالك في التسهيل‏:‏ والجر بلعل ثابتة الأول، ومحذوفته، مفتوحة إلخ ر، ومكسورته، لغة عقيلية‏.‏ انتهى‏.‏

وقول الشارح المحقق‏:‏ نقل عن إلخ فش أنه سمع من العرب فتح لام الجر إلخ ، نقل هؤلاء الجماعة إنما هو في لام كي لا في اللام الداخلة على الاسم المظهر، كما يأتي نقله عن الفارسي في شرح البيت الآتي‏.‏

وقول الشارح المحقق‏:‏ ويجوز في هذه الرواية أن يقال‏:‏ الأصل لعاً‏.‏‏.‏إلخ، رواية في البيت، أثبتها أبو زيد في نوادره‏.‏ قال‏:‏ ويروى‏:‏

لعاً لأبي المغوار

قال أبو الحسن إلخ فش فيما كتبه على نوادره‏:‏ فلعاً على هذه الرواية رفع بالابتداء، ولأبي المغوار إلخ بر، ولعاً مقصور مثل عصا، وهي كلمة تستعملها العرب عند العثرة والسقطة‏.‏

ويقولون‏:‏ لعاً لك، أي‏:‏ أنهضك الله‏.‏ وإن كان مبتدأ ففيه معنى الدعاء‏.‏ ألا ترى أن القائل، إذا قال الحمد لله، وما أشبهه، فهو وإن كان مبتدأ ففيه معنى الفعل، يريد‏:‏ أحمد الله‏.‏ وعلى هذا يجري الباب كله‏.‏

قال الأعشى‏:‏

بذات لوث عفرناة إذا عثرت *** فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا

يقول‏:‏ أدعو عليها، أحرى من أن أدعو لها‏.‏ ثم اتسع هذا، فصار مثلاً حتى يقال لكل منكوب‏:‏ لعاً، ولعاً له‏.‏ انتهى‏.‏

ولكون لعاً في معنى الدعاء، أي‏:‏ انتعش، بالفعل الماضي على وجه الدعاء‏.‏ يقال‏:‏ انتعش العاثر من عثرته، أي‏:‏ نهض‏.‏ ونعشه الله وأنعشه‏:‏ أقامه‏.‏ وتنوينه للتنكير كما في صه‏.‏ وهو مبني على السكون، وإنما جاز الابتداء به مع التنكير لأنه في معنى الدعاء‏.‏

قال ابن هشام في بحث مسوغات الابتداء بالنكرة‏:‏ السابع أن تكون في معنى الفعل، وهذا شامل لنحو‏:‏ عجب لزيد‏.‏ وضبطوه بأن يريد بها التعجب‏.‏ ولنحو‏:‏ سلام على آل ياسين ، وويل للمطففين ‏.‏ وضبطوه بأن يراد بها الدعاء‏.‏ انتهى‏.‏

ولا يجوز أن تكون اللام للتبيين، وهي متعلقة بمحذوف استؤنف للتبيين مع رفع لعاً‏.‏ قال ابن هشام في بحث اللام المبينة‏:‏ ومثال المبينة للفاعلية تباً لزيد وويحاً؛ فإنهما في معنى خسر وهلك‏.‏ فإن رفعتهما بالابتداء فاللام ومجرورها خبر، ومحلهما الرفع، ولا تبيين، لعدم تمام الكلام‏.‏ انتهى‏.‏

ومنه يظهر سقوط قول ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب‏:‏ لعاً مبتدأ، وقوله‏:‏ لأبي المغوار في موضع الصفة له، وقريب‏:‏ خبر المبتدأ‏.‏ وإنما اضطر إلى جعل لأبي المغوار صفة لتنكير المبتدأ، مع أنه ليس المعنى على إلخ بار بالقرب عن لعا، وإنما قريب خبر مبتدأ محذوف، هو ضمير أبي المغوار‏.‏ والجملة استئنافية في مقام العلة لقوله‏:‏ ارفع الصوت‏.‏

ونقل أبو زيد في نوادره عن أبي عمرو أنه رواه‏:‏ لعل أبا المغوار منك قريب بالنصب‏.‏

هذا‏.‏ والبيت من قصيدة مرثية جيدة لكعب بن سعد الغنوي، رواها القالي في أماليه، ومحمد بن المبارك في منتهى الطلب من أشعار العرب، قال‏:‏ رثى بها كعب أخاه شبيباً‏.‏

وقال القالي‏:‏ قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد هذه القصيدة في شعر كعب الغنوي، وأملاها علينا أبو الحسن إلخ فش، قال‏:‏ قرئ على أبي العباس محمد بن الحسن الأحول، ومحمد بن يزيد، وأحمد بن يحيى‏.‏

قال‏:‏ وبعض الناس يروي هذه القصيدة لكعب بن سعد الغنوي، وبعضهم يرويها بأسرها لسهم الغنوي، وهو من قومه وليس بأخيه‏.‏

وبعضهم يروي شيئاً منها لسهم‏.‏ والمرثي بهذه القصيدة يكنى أبا المغوار، واسمه هرم، وبعضهم يقول‏:‏ اسمه شبيب، ويحتج ببيت روي في هذه القصيدة‏.‏

أقام وخلى الظاعنين شبيب

وهذا البيت مصنوع، والأول أصح؛ لأنه رواه ثقة‏.‏ وأولها في رواية الجميع‏:‏

تقول سليمى ما لجسمك شاحب *** كأنك يحميك الشراب طبيب

فقلت ولم أعي الجواب لقوله *** وللدهر في صم السلام نصيب

تتابع أحداث تخرمن إخوتي *** وشيبن رأسي والخطوب تشيب

لعمري لئن كانت أصابت مصيبة *** أخي والمنايا للرجال شعوب

لقد عجمت مني الحوادث ماجد *** عروفاً لريب الدهر حين يريب

وقد كان‏:‏ أما حلمه فمروح *** علينا وأما جهله فعزيب

فتى الحرب إن حاربت كان سمامه *** وفي السلم مفضال اليدين وهوب

هوت أمه ماذا تضمن قبره *** من الجود والمعروف حين يثيب

جموع خلال إلخ ير من كل جانب *** إذا جاء جياء بهن ذهوب

هوت أمه ما يبعث الصبح غادي *** وماذا يرد الليل حين يؤوب

فتىً لا يبالي أن يكون بجسمه *** إذا نال خلات الكرام شحوب

مغيث مفيد الفائدات معود *** لفعل الندى والمكرمات كسوب

غنينا بخير حقبةً ثم جلحت *** علينا التي كل الأنام تصيب

ولو كان حي يفتدى لفديته *** بما لم تكن عنه النفوس تطيب

بعيني ويمنى يدي وإنني *** ببذل فداه جاهداً لمصيب

فإن تكن الأيام أحسن مرةً *** إلي فقد عادت لهن ذنوب

أخي كان يكفيني وكان يعينني *** على نائبات الدهر حين تنوب

عظيم رماد القوم رحب فناؤه *** إلى سند لم تحتجنه غيوب

حليم إذا ما الحلم زين أهله *** مع الحلم في عين العدو مهيب

إذا ما تراءاه الرجال تحفظو *** فلم ينطقوا العوراء وهو قريب

أخي ما أخي، لا فاحش عند بيته *** ولا ورع عند اللقاء هيوب

على خير ما كان الرجال خلاله *** وم إلخ ير إلا قسمة ونصيب

حليف الندى يدعو الندى فيجيبه *** قريباً ويدعوه الندى فيجيب

هو العسل الماذي ليناً وشيمةً *** وليث إذا يلقى العدو غضوب

حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت *** حبى الشيب للنفس اللجوج غلوب

فتىً أريحي كان يهتز للندى *** كما اهتز من ماء الحديد قضيب

كعالية الرمح الرديني لم يكن *** إذا ابتدر إلخ ير الرجال يخيب

حبيب إلى الزوار غشيان بيته *** جميل المحيا شب وهو أديب

كأن بيوت الحي ما لم يكن به *** بسابس لا يلقى بهن عريب

وداع دعا يا من يجيب إلى الندى *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب

فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوةً *** لعل أبا المغوار منك قريب

يجبك كما قد كان يفعل إنه *** مجيب لأبواب العلاء طلوب

فإني لباكيه وإني لصادق *** عليه وبعض القائلين كذوب

إذا ذر قرن الشمس عللت بالأسى *** ويأوي إلي الحزن حين تغيب

وهذا آخر القصيدة، وحذفت منها أبياتاً كثيرة‏.‏

وقوله‏:‏ هوت أمه ما يبعث الصبح البيت، قال القالي‏:‏ أي، هلكت أمه، كأنها انحدرت إلى الهاوية‏.‏

وأورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأمه هاوية‏}‏، على أنه من قولهم‏:‏ إذا دعوا على الرجل بالهلكة، لأنه إذا هلك هوت أمه، كما في البيت‏.‏

والمراد ليس الدعاء بالوقوع، بل التعجب والمدح، كقولهم‏:‏ قاتله الله ما أفصحه‏!‏ يعني أنه مستحق، لأنه يحسد، ويدعى عليه بالهلاك‏.‏ وما‏:‏ نكرة موصوفة، أي‏:‏ أي شيء يبعث الصبح منه، حين يغدو إلى الحرب، وأي شيء يرد الليل منه حين يرجع إلى أهله‏.‏ وفيه معنى التجريد‏.‏

وقوله‏:‏ وداع دعا يا من يجيب البيت، الواو واو رب‏.‏ والداعي هنا السائل، ويجيب من أجابه أي رد جوابه، ومفعوله محذوف، أي‏:‏ يجيب الداعي‏.‏

والندى‏:‏ الغاية، وبعد ذهاب الصوت، والجود‏.‏ كذا في الصحاح‏.‏

وقوله‏:‏ فلم يستجبه أورده ابن قتيبة في الأفعال التي تتعدى تارة بنفسها وتارة باللام من أدب الكاتب، قال‏:‏ يقال‏:‏ استجبتك واستجبت لك‏.‏

قال شارحه ابن السيد‏:‏ كذلك قال يعقوب، ومن كتابه نقل ابن قتيبة أكثر ما أورده هنا‏.‏ وقد يمكن أن يريد فلم يجبه‏.‏

ويدل على ذلك أنه قال‏:‏ مجيب، ولم يقل مستجيب، فيكون الشاعر قد أجرى استفعل مجرى أفعل، كما يقال استخلف لأهله بمعنى أخلف، واستوقد بمعنى أوقد‏.‏

وأورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاستجاب لهم ربهم‏}‏، على أن الاستجابة تتعدى بنفسها كما في البيت، وباللام كما في الآية‏.‏ واستجاب له، أكثر شيوعاً من استجابة‏.‏ هذا في التعدية إلى الداعي‏.‏

وأما إذا عدي إلى الدعاء فبدون اللام أكثر شيوعاً، نحو‏:‏ استجاب الله دعاءه‏.‏ ولهذا قال في سورة القصص‏:‏ البيت على حذف مضاف، أي‏:‏ لم يستجب دعاءه‏.‏ والمعنى رب داع دعا هل من أحد يمنح المستمنحين‏؟‏ فلم يجبه أحد‏.‏

وقوله‏:‏ فقلت ادع أخرى، أي‏:‏ دعوة أخرى‏.‏ وقوله‏:‏ لعل أبي المغوار هذا الترجي من شدة ذهوله من عظم مصابه بأخيه‏.‏

وكعب بن سعد الغنوي شاعر إسلامي، تقدمت ترجمته في الشاهد الثاني والسبعين بعد الستمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الثامن والسبعون بعد الثمانمائة

لعل الله يمكنني عليه *** جهاراً من زهير وأسيد

على أنه تتعذر هنا تلك التخريجات المتقدمة في البيت قبله‏.‏ فيتعين كون لعل فيه حرف جر، ولفظ الجلالة مجروراً به‏.‏

ولا يصح أن يدعي أن الأصل لعاً لله، وهو ظاهر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً‏.‏

ولا يمكن أن يقال تقديره‏:‏ لعله لله يمكنني، بتقدير ضمير الشأن، وجر الجلالة إما بلام مقدرة كما قال ابن عصفور، وإما باللام المدغمة في لام لعل المخففة كما قال أبو علي، سواء كانت لام لعل مكسورة، أم مفتوحة في لعل الله، فإن ذلك لا وجه له لا معنىً ولا صناعةً‏.‏

أما الأول فظاهر‏.‏ وأما الثاني فلأنه لا يصح أن يكون لله خير ضمير الشأن، لأنه ليس بجملة إذ لم يقع خبر المبتدأ‏.‏

فإن قلت‏:‏ قدر له مبتدأ نحو‏:‏ القدرة لله‏.‏ قلنا‏:‏ يجب التصريح بجزأي الجملة الواقعة خبراً لضمير الشأن، ولا يجوز حذف أحدهما‏.‏

فإن قلت‏:‏ قدره مع متعلقه جملة‏.‏ قلنا‏:‏ فاعله مجهول، ولا يصح أن يكون يمكنني خبره، لأنه يبقى لله غير متعلق بشيء، إذا لا معنى لتعلقه به‏.‏

والعجب من أبي علي في تجويزه الوجهين، قال في المسائل البصرية، قال‏:‏ أبو الحسن إلخ فش‏:‏ زعم يونس أن ناساً من العرب، يفتحون اللام التي في مكان كي‏.‏

وزعم خلف الأحمر أنها لغة لبني العنبر‏.‏ وقد سمعت أنا ذلك من العرب‏.‏ وذلك أن أصلها الفتح، وكسرت في الإضافة للفصل بينها وبين لام الابتداء‏.‏ وأحفظ في كتاب أبي الحسن‏:‏

تواعدوني ربيعة كل يوم *** لأهلكها وأقتني الدجاجا

وزعم أبو عبيدة أنه سمع فتح لام لعل في لغة من يجر، في قول الشاعر‏:‏

لعل الله يمكنني عليه ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

قال أبو علي‏:‏ يكون هذا على إضمار الحديث في لعل مخففة، كإضماره في إن، وأضمر مبتدأ والظرف في موضع إلخ بر، ويمكنني‏:‏ حال، كأنه قال‏:‏ لعل القصة الأمر لله ممكناً لي‏.‏

وإن شئت جعلت يمكنني في موضع خبر لعل وأضمرت الحديث، كأنه قيل‏:‏ لعله يمكنني الأمر لله، أي‏:‏ لقوة الله‏.‏ هذا كلامه‏.‏

ونقله ابن السيد في كتاب أبيات المعاني ولم يتعقبه بشيء‏.‏ وفيه نظر من وجوه‏:‏ أما أولاً‏:‏ فلأنه لا مناسبة لذكر فتح لام كي هنا، فإن اللام التي ادعاها داخلة على الاسم الصريح لا على الفعل‏.‏

وأما ثانياً‏:‏ فلأنه لا يجوز حذف أحد جزأي الجملة كما تقدم‏.‏

وأما ثالثاً‏:‏ فلأنه قدر ليمكنني فاعلاً، وهذا ليس من المواضع التي يحذف فيها‏.‏ وإن أراد أنه تفسير الضمير المستتر في يمكنني العائد إلى ضمير الشأن ففيه أن شرط ضمير الشأن أن لا يعود إليه ضمير من جملة خبره‏.‏

وأما رابعاً‏:‏ فلأنه قدر مضافاً بعد اللام، ولا دليل عليه‏.‏

ثم قال بعد هذا‏:‏ فإن قلت فهل يجوز في لعل فيمن خفف أن يدخلها على الفعل بلا شريطة إضمار القصة كما جاز ذلك في إن إذا خففت أن تدخل على الفعل، نحو‏:‏ إن كاد ليضلنا‏؟‏ قلت‏:‏ ينبغي عندي أن يبعد إدخال لعل على الفعل‏.‏

ألا ترى أن إن لا معنى فيها إلا التأكيد، ومع ذلك فقد أعملت مخففة في الاسم، ونصب بها‏.‏ وإذا كان كذلك، وكانت لعل أشبه بالفعل للمعنى الذي لها، وجب أن لا تكون إذا خففت إلا على شريطة الإضمار، إذا أدخلت على الفعل‏.‏ ويؤكد ذلك أن المفتوحة المخففة‏.‏

ألا ترى أنها لا تخفف إلا على إضمار القصة والحديث‏.‏ وكذلك كأن في قوله‏:‏

كأن ثدياه حقان

على أن كأن إنما هي أن أدخلت الكاف عليها‏.‏ فإذا لم تكن إن إلا على شريطة إضمار فيها، وإذا كان كذلك لم يكن قوله‏:‏ لعل أبي المغوار، ولعل الله يمكنني، إلا على إضمار القصة والحديث، وما بعده في موضع إلخ بر‏.‏ هذا كلامه‏.‏

وبناؤه على غير أساس، فإنه لم يثبت تخفيف لعل في موضع، وإنما كلامه هذا بمجرد توهم تخفيفها‏.‏ والله أعلم‏.‏

والبيت من قصيدة لخالد بن جعفر‏.‏ وهذه أبيات من أولها‏:‏

أريغوني إراغتكم فإني *** وحذفة كالشجا تحت الوريد

مقربةً أواسيها بنفسي *** وألحفها ردائي في الجليد

لعل الله يقدرني عليه *** جهاراً من زهير وأسيد

الإراغة، بالراء المهملة والغين المعجمة‏:‏ الطلب‏.‏

في الصحاح‏:‏ أريغوني إراغتكم، أي‏:‏ اطلبوني طلبتكم‏.‏ وأنشد هذا البيت‏.‏ وحذفة بضم الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة بعدها فاء‏:‏ اسم فرس الشاعر، وهو جعفر بن خالد‏.‏

والشجا، بفتح الشين والجيم‏:‏ ما ينشب في الحلق من عظم وغيره‏.‏ شبه نفسه بالشجا‏.‏

ومقربة‏:‏ مفعول‏:‏ أريغوني‏.‏ والمقرب من إلخ يل على اسم المفعول، من الإقراب والتقريب‏:‏ الذي يدنى ويكرم، والأنثى مقربة، ولا تترك أن ترود‏.‏

قال ابن دريد‏:‏ إنما يفعل ذلك بالإناث لئلا يقرعها فحل لئيم‏.‏ والإلحاف التغطية‏.‏ والجليد‏:‏ الصقيع، يريد‏:‏ في شدة البرد‏.‏

وزهير هو ابن جذيمة بن رواحة العبسي‏.‏ وأسيد هو أخو زهير، وهو بفتح الهمزة وكسر السين‏.‏ وضمير عليها راجع إلى مقربة‏.‏

وسبب الشعر هو ما رواه صاحب الأغاني، والسيد المرتضى في أماليه، قالا‏:‏ إن هوازن لا ترى زهير بن جذيمة إلا ربا، وهوازن يومئذ لا خير فيها، ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد، فهم أذل من يد في رحم، إنما هم رعاء الشاء في الجبال، وكان زهير يعشرهم، فكان إذا كان سوق عكاظ أتاها زهير، فتأتي هوازن بالإتاوة التي له في أغنامهم، فيأتونه بالسمن، والأقط، والغنم‏.‏

فجاءت عجوز من هوازن بسمن في نحي، واعتذرت إليه، وشكت السنين التي تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدفعها بقوس كانت في يده فسقطت، فبدت عورتها، فغضبت من ذلك هوازن وحقدته، إلى ما كان في صدرها من الغيظ، وكانت قد كثرت عامر‏.‏

فآلى خالد بن جعفر، فقال‏:‏ والله لأجعلن ذراعي وراء عنقه حتى أقتل وأقتل‏.‏ وفي ذلك قال هذا الشعر‏.‏

واتفق نزول زهير بالقرب من أرض بني عامر، وكانت تماضر بنت عمرو بن الشريد امرأة زهير بن جذيمة وأم ولده، فمر به أخوها الحارث بن عمرو، فقال زهير لبنيه‏:‏ إن الحمار طليعة عليكم فأوثقوه‏.‏ فقالت أخته لبنيها‏:‏ أيزوركم خالكم فتوثقونه‏؟‏ ثم حلبوا له وطباً من لبن، وأخذوا منه يميناً أن لا يخبر عنهم، فخرج حتى أتى بني عامر فأخبرهم، فركب خالد بن جعفر وحندج بن البكاء، ومعاوية بن عبادة وثلاثة من فوارس بني عامر، واقتصوا فرأوا إبل بني جذيمة فنزلوا عن إلخ يل، فقالت النساء‏:‏ إنا لنرى غابة رماح بمكان كنا نرى به شيئاً‏.‏ ثم جاءت الرعاء فخبرت بهم، وأتى أسيد أخاه زهيراً فأخبره بالخبر، وقال‏:‏ قد رأت راعيتي خيل بني عامر ورماحها‏.‏

فقال زهير‏:‏ كل أزب نفور، فذهبت مثلاً‏.‏ وكان أسيد كثير الشعر‏.‏ قال‏:‏ فتحمل عامة بني رواحة، وحلف زهير لا يبرح مكانه حتى يصبح‏.‏ وتحمل من كان معه غير ابنيه‏:‏ ورقاء، والحارث‏.‏ فلم يشعر إلا والخيل أحاطت به‏.‏ قال زهير، وظنهم أهل اليمن‏:‏ يا أسيد ما هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ هم القوم الذين تغضب في شأنهم منذ الليلة‏.‏

قال‏:‏ وركب أسيد فرسه ونجا، ووثب زهير على فرسه القعساء وكانت متمردة، فلحقه خالد راكباً فرسه حذفة وهو يقول‏:‏ لا نجوت إن نجا زهير‏!‏ فاعتنق خالد زهيراً، وخرا عن فرسيهما، ووقع خالد فوق زهير واستغاث ببنيه، فأقبل إليه ورقاء بن زهير فضرب خالداً ثلاث ضربات فلم يغن شيئاً، وكان على خالد درعان‏.‏ ثم ضرب جندج رأس زهير فقتله‏.‏

وفي ذلك يقول ورقاء بن زهير‏:‏

رأيت زهيراً تحت كلكل خالد *** فأقبلت أسعى كالعجول أبادر

إلى بطلين ينهضان كلاهم *** يريدان نصل السيف والسيف داثر

فشلت يميني يوم أضرب خالد *** ويستره مني الحديد المظاهر

فيا ليت أني قبل ضربة خالد *** ويوم زهير لم تلدني تماضر

وخالد فارس شاعر جاهلي، وهو ابن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد التاسع والسبعون بعد الثمانمائة

وهو من شواهد س‏:‏

فلو كنت ضبياً عرفت قرابتي *** ولكن زنجي عظيم المشافر

على أنه لا يجوز حذف أسماء هذه الحروف غير ضمير الشأن، إلا في الشعر على قلة وضعف، كما في هذا البيت‏.‏ والتقدير‏:‏ ولكنك زنجي‏.‏

في الأصول لابن السراج قال سيبويه‏:‏ النصب أكثر في كلام العرب، كأنه قال‏:‏ ولكن زنجياً عظيم المشافر، لا يعرف قرابتي، ولكنه أضمر هذا‏.‏

قال‏:‏ والنصب أجود، لأنه لو أراد الإضمار لخفف، ولجعل المضمر مبتدأ، كقولك‏:‏ ما أنت صالحاً ولكن طالح‏.‏ انتهى‏.‏

قال الأعلم‏:‏ الشاهد فيه رفع زنجي على إلخ بر، وحذف اسم لكن ضرورة‏.‏ والتقدير‏:‏ لكنك زنجي‏.‏ والنصب أقيس‏.‏ انتهى‏.‏

وتقييد الشارح المحقق حذف الاسم بالضرورة أجود من إطلاق ابن هشام في المغني في قوله‏:‏ وقد يحذف اسمها‏.‏ وإن كانت قد تفيد القلة‏.‏

وزعم إلخ فاف في شرح الجمل أنه يجوز حذف أسماء هذه الحروف في فصيح الكلام، إذا كان في الكلام ما يدل عليها‏.‏ وأنشد هذا البيت‏.‏ وقوله‏:‏

فليت دفعت الهم عني ساعةً

أي‏:‏ فليتك‏.‏ إلا إن كانت ضمير شأن، فلا يجوز حذفه إلا في الشعر‏.‏ وروي أيضاً‏:‏ ولكن زنجياً بالنصب، والخبر محذوف‏.‏ وتقديره عند سيبويه‏:‏ لا يعرف قرابتي‏.‏

وقال ثعلب في أماليه‏:‏ وقال سيبويه‏:‏ زنجياً غليظ المشافر تشبه، فأضمر إلخ بر‏.‏ هذا نقله، وهو خلاف الواقع مع أن هذا التقدير يقتضي أن ونجياً مفعول تشبه، لا اسم لكن‏.‏ ثم قال‏:‏ وقال الفراء‏:‏ غليظ المشافر تابع سد مسد إلخ بر‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ ولكن بك زنجياً، أي‏:‏ يشبهك‏.‏ انتهى‏.‏

والمشافر‏:‏ جمع مشفر، بكسر الميم وفتح الفاء، وهو شفة البعير، واستعير هنا لشفة الإنسان، لما قصد من بشاعة إلخ لقة‏.‏

والبيت للفرزدق في هجو رجل من ضبة، نفاه عن ضبة، ونسبه إلى الزنج‏.‏ وأما القرابة التي بينه وبينه فهي أن الفرزدق من تميم بن مر بن أد بن طانجة، وضبة هو ابن أد بن طانجة‏.‏

واعلم أن قافية البيت اشتهرت كذا عند النحويين، وصوابه‏:‏

ولكن زنجياً غلاظاً مشافره

وهو من قصيدة هجا بها أيوب بن عيسى الضبي‏.‏ وبعده‏:‏

متت له بالرحم بيني وبينه *** فألفيته مني بعيداً أواصره

وقلت امرؤ من آل ضبة فاعتزى *** لغيرهم لون أسته ومحاجره

فسوف يرى النوبي ما اكتدحت له *** يداه إذا ما الشعر عنت نوافره

ستلقي عليك إلخ نفساء إذا فست *** عليك من الشعر الذي أنت حاذره

وتأتي ابن زب إلخ نفساء قصيدة *** تكون له مني عذاباً يباشره

والسبب في هذا ما حكاه صاحب الأغاني أن الفرزدق هجا خالداً القسري وذكر المبارك‏:‏ النهر الذي حفره بواسط، فبلغه ذلك، فكتب خالد إلى مالك بن المنذر‏:‏ أن احبس الفرزدق، فإنه هجا نهر أمير المؤمنين بقوله‏:‏

أهلكت مال الله في غير حقه *** على النهر المشووم غير المبارك

فأرسل مالك إلى أيوب بن عيسى الضبي، فقال‏:‏ ائتني بالفرزدق‏.‏ فلم يزل يعمل فيه حتى أخذه، فلما قيل لمالك‏:‏ هذا الفرزدق انتفخ وريده غضباً، فلما أدخل عليه، قال‏:‏

أقول لنفسي حين غصت بريقه *** ألا ليت شعري ما لها عند مالك

لها عنده أن يرجع الله روحه *** إليها وتنجو من عظيم المهالك

فسكن مالك، وأمر به إلى السجن، فهجا أيوب بن عيسى الضبي بتلك القصيدة، ثم مدح خالد بن عبد الله، ومالك بن المنذر، فلما لم ينفعه مدحهما مدح هشاما ًواعتذر إليه‏:‏

ألكني إلى راعي البرية والذي *** له العدل في الأرض العريضة نورا

إذا قال غاو من معد قصيدةً *** بها جرب كانت وبالاً مدمرا

أينطقها غيري وأرمى بجرمه *** وكيف ألوم الدهر أن يتغيرا

لئن صبرت نفسي لقد أمرت به *** وخير عباد الله من كان أصبرا

وكنت ابن أحذار ولو كنت خائف *** لكنت من العصماء في الطود أحذرا

ولكن أتوني آمناً لا أخافهم *** نهاراً وكان الله ما شاء قدرا

ثم إنه مدحه بقصيدة وأشخص بها ابنه إلى هشام، فأعانته القيسية، وقالوا‏:‏ كلما ظهر شاعر، وسيد وثب عليه خالد‏!‏ وكان كتب الفرزدق أبياتاً إلى سعيد بن الوليد بن الأبرش، يكلم له هشاماً، وهي‏:‏

إلى الأبرش الكلبي أسديت حاجتي *** تواكلها حياً تميم ووائل

على حين أن زلت بي النعل زلةً *** وأخلف ظني كل حاف وناعل

فدونكما يا ابن الوليد فقم به *** قيام امرئ في قومه غير خامل

فكلم هشاماً فكتب بتخليته‏.‏ انتهى باختصار‏.‏

وترجمة الفرزدق تقدمت في الشاهد الثلاثين من أوائل الكتاب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

إن من لام في بني أخت حس *** ن ألمه وأعصه في إلخ طوب

وقوله‏:‏

إن من يدخل الكنيسة يوم *** يلق فيها جآذراً وظباء

على أن ضمير الشأن يجوز حذفه في الشعر كثيراً، بخلاف حذف اسم هذه الحروف، فإنه وإن اختص حذفه في الشعر لكنه بضعف وقلة، وذلك كما في البيتين‏.‏

والتقدير‏:‏ إنه من لام، وإنه من يدخل الكنيسة‏.‏ ومن فيهما اسم شرط جازم، والجملة خبر ضمير الشأن فيهما‏.‏

وتقدم الكلام على البيت الأول في الشاهد السابع بعد الأربعمائة، وعلى البيت الثاني في الشاهد الثامن والسبعين من أوائل الكتاب‏.‏

وأنشد بعده

الشاهد الثمانون بعد الثمانمائة

كأن على عرنينه وجبينه *** أقام شعاع الشمس وطلع البدر

على أن حذف ضمير الشأن في غير الشعر يجوز بقلة إن لم يل هذه الأحرف فعل صريح كما في البيت‏.‏ ومثله في الكلام جائز بقلة، نحو‏:‏ إن بك زيد مأخوذ‏.‏

قال ابن عصفور في كتاب الضرائر‏:‏ ومنه حذف ضمير الشأن والقصة، إذا كان اسماً لإن وأخواتها، كقوله‏:‏

فلا تشتم المولى وتبلغ أذاته *** فإن به تثأى الأمور وترأب

يريد‏:‏ فإنه تثأى الأمور‏.‏ وقول إلخ ر‏:‏

كأن على عرنينه وجبينه ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

يريد‏:‏ كأنه على عرنينه‏.‏ وقول إلخ ر‏:‏

إن من يدخل الكنيسة

يريد‏:‏ إنه من يدخل الكنيسة‏.‏ ولا يجوز أن يكون من اسم إن، لأنها اسم شرط، وأسماء الشرط لا يتقدمها عامل إل إلخ افض، بشرط أن يكون معمولاً لفعل الشرط، نحو قولك‏:‏ بمن تمرر أمرر‏.‏ ومثل ذلك قول الأعشى‏:‏

إن من لام في بني بنت حس *** ن‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

يريد‏:‏ إنه من لام‏.‏

وقول أمية بن أبي الصلت‏:‏

ولكن من لا يلق امرأً ينوبه *** بعدته ينزل به وهو أعزل

يريد‏:‏ ولكنه من‏.‏ ومن ذلك قول جميل‏:‏

ألا ليت أيام الصفاء جديد *** ودهر تولى بابثين يعود

في رواية من رفع الأيام، يريد‏:‏ ليتها أيام، فحذف هذا الضمير يحسن في الشعر، ولا يقبح في الكلام، إلا أن يؤدي حذفه إلى أن تكون إن وأخواتها داخلة على فعل، فإنه إذ ذاك يقبح في الكلام والشعر، لأنها حروف طالبة للأسماء، فاستقبحوا لذلك مباشرتها للأفعال‏.‏

وإنما قبح حذفه في الكلام، وإن لم يؤد الحذف إلى مباشرة إن وأخواتها للأفعال، لأنه مفسر بالجملة التي بعده‏:‏ فأشبهت الجملة الواقعة صفة في نحو قولك‏:‏ رأيت رجلاً يحبه عمرو، في أن كل واحدة من الجملتين مفسره لما قبلها‏.‏

والجملة الواقعة صفة يقبح حذف موصوفها وإبقاؤها، فكذلك أيضاً يقبح حذف ضمير الشأن والقصة، وإبقاء الجملة المفسرة له‏.‏ وأيضاً يستعمل في موضع التعظيم، والحذف مناقض لذلك‏.‏

وأما قول الراعي‏:‏

فلو أن حق اليوم منكم إقامة *** وإن كان سرح قد مضى فتسرعا

وقول إلخ ر‏:‏

فليت دفعت الهم عني ساعةً *** فبتنا على ما خيلت ناعمي بال

فيحتمل أن يكون المحذوف منها ضمير الشأن، فيكون التقدير‏:‏ فلو أنه حق اليوم منكم إقامة، وفليته دفعت، ويكون البيتان إذ ذاك من قبيل ما يقبح في الكلام والشعر لما يلزم في البيت الأول من ولاية الفعل لإن، وفي البيت الثاني من ولايته لليت‏.‏

ويحتمل أن يكون المحذوف ضمير المخاطب، فيكون التقدير‏:‏ فلو أنكم حق منكم، وليتك دفعت الهم‏.‏ وحملها على هذا الوجه أولى؛ لأنه لا يلزم فيه من القبح ما يلزم في الوجه الأول‏.‏ انتهى كلام ابن عصفور‏.‏

والعرنين بالكسر، قال صاحب المصباح‏:‏ هو من كل شيء‏:‏ أوله، ومنه عرنين الأنف لأوله وهو ما تحت مجتمع الحاجبين، وهو موضع الشمم، وهم شم العرانين‏.‏ وقد يطلق العرنين على الأنف‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ الجبين ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها‏.‏ قاله الأزهري وابن فارس وغيرهما‏.‏ فتكون الجبهة بين الجبينين‏.‏ والجبهة‏:‏ موضع السجود بين الجبينين‏.‏

ولم أقف على قائل البيت ولم أره إلا في كتاب الضرائر، وهو أحسن من قول عويف القوافي، وابن عنقاء الفزاري‏:‏

كأن الثريا علقت في جبينه *** وفي خده الشعرى وفي انفه القمر

ومن قول خارجة بن فليح المللي‏:‏

كأن على عرنينه وجبينه *** شعاعين لاحا من سماك وفرقد

وقد اتفقا في المصراع الأول ولم أدر السابق منهما‏.‏ وبعده‏:‏

هو السابق التالي أباه كما تل *** أبوه أباه سيد وابن سيد

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الحادي والثمانون بعد الثمانمائة

وهو من شواهد س‏:‏

إن محلاً وإن مرتحل *** وإن في السفر إذ مضوا مهلا

على أنه إذا علم إلخ بر جاز حذفه، سواء كان الاسم نكرة أم معرفة، وسواء كررت إن أم لا‏.‏

فالأول كما في المصراع الأول من البيت، والتقدير إن لنا محلاً في الدنيا ما عشنا، وإن لنا مرتحلا إلى إلخ رة‏.‏

والثاني‏:‏ ما حكاه سيبويه قبل إنشاد ذلك البيت، قال‏:‏ ويقول الرجل للرجل هل لكم أحد إن الناس ألب عليكم‏!‏ فيقول‏:‏ إن زيداً، وإن عمراً، أي‏:‏ إن لنا‏.‏ انتهى‏.‏

وفيه رد على الكوفيين في اشتراطهم تنكير الاسم‏.‏

والثالث‏:‏ نحو ما تقدم من البيت وحكاية سيبويه‏.‏

والرابع‏:‏ هو كقول، سيبويه‏:‏ وتقول إن غيرها إبلاً وشاء، كأنه قال‏:‏ إن لنا غيرها إبلاً وشاء، وعندنا غيرها إبلاً وشاء‏.‏ فالذي تضمر هذا النحو وشبهه‏.‏ وانتصب الإبل والشاء كانتصاب الفارس، إذا قلت‏:‏ ما في الناس مثله فارساً‏.‏ انتهى‏.‏

وفيه رد على الفراء، فإنه ذهب إلى أنه لا يجوز حذف إلخ بر إلا مع تكرير إن، سواء كان الاسم معرفة أم نكرة‏.‏

ويرد عليه وعلى الكوفيين قول الشاعر‏:‏

وأن الأكارم نهشل ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت الآتي

فإن خبر أن المفتوحة محذوف، تقديره‏:‏ تفضلوا، بدلالة ما قبله، واسمها معرفة وهي غير مكررة‏.‏ وسيأتي الكلام عليه‏.‏

وكذلك يرد عليهم الحديث وأثر عمر المسطوران، فإن اسم إن فيهما معرفة، وهو اسم الإشارة مع عدم تكرر إن فيهما‏.‏

قال ابن يعيش‏:‏ وكان الفراء يذهب إلى أنه‏:‏ إنما يحذف مثل هذا إذا كررت إن ليعلم أن أحدهما مخالف عند من يظنه غير مخالف‏.‏

وحكي أن أعرابياً، قيل له‏:‏ الزبابة‏:‏ الفأرة‏؟‏ قال‏:‏ إن الزبابة والفأرة‏.‏ ومعناه إن هذه مخالفة لهذه‏.‏ والخلاف الذي بين الاسمين يدل على إلخ بر، وهو غير مرضي عند أصحابنا، فإنه مردود في الواحد الذي لا مخالف معه‏.‏

قال إلخ طل‏:‏

ألا إن حياً من قريش تفضلو *** على الناس وأن الأكارم نهشلا

وقالوا‏:‏ إن غيرها إبلاً وشاء‏.‏ فقولهم‏:‏ غيرها، اسم إن، واخبر مضمر، كأنه قال‏:‏ إن لنا غيرها، وانتصب إبلاً وشاء على التمييز‏.‏ ويجوز أن يكون‏:‏ إبلاً اسم إن، وغيرها حال‏.‏ ولا يحسن أن يكون عطف بيان، لأن عطف البيان لا يكون إلا في المعارف‏.‏

فأما ما حكي عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال لقرشي وقد مت إليه بقرابة‏:‏ إن ذلك‏.‏ ثم ذكر حاجته، فقال‏:‏ لعل ذاك‏.‏ فالخبر محذوف، أي‏:‏ إن ذلك مصدق، ولعل مطلوبك حاصل‏.‏

وإنما ساغ حذف إلخ بر هنا، وإن لم يكن ظرفاً، لدلالة الحال عليه، كما يحذف خبر المبتدأ عند الدلالة عليه، نحو قولك‏:‏ من القائم‏؟‏ فيقال‏:‏ زيد، أي‏:‏ زيد القائم‏.‏

والجيد أن يقدر المحذوف ظرفاً، نحو‏:‏ إن لك ذلك، أي‏:‏ حق القرابة، ولعل لك ذلك، والمعنى واحد إلا أنه من جهة اللفظ صار على منهاج القياس‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

وقال قبل هذا‏:‏ اعلم أن أخبار هذه الحروف، إذا كانت ظرف وجاراً ومجروراً، فإنه يجوز حذفها والسكوت على أسمائها، وذلك لكثرة استعمالها والاتساع فيها، إلى أن قال‏:‏ ولم يأت ذلك إلا فيما كان إلخ بر فيه ظرف وجاراً ومجروراً‏.‏ انتهى‏.‏

وقول الشارح المحقق‏:‏ إن إلخ بر في الآية محذوف تقديره‏:‏ هلكوا، قدره الزمخشري بدلالة جواب الشرط عليه، أي‏:‏ نذيقهم من عذاب أليم، فإن الآية هي إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواءً العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ، وهي آية سورة الحج‏.‏

والعجب من ابن هشام فإنه قال في حذف إلخ بر من بحث المحذوفات من أواخر الباب إلخ امس، بعد أن أورد البيت‏:‏ وقد مر البحث في إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله وإن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم مستوفىً، مع أن الآية الأولى لم يمر لها ذكر، ولا وقع له عنها بحث في المغني لا مستوفىً، ولا غير مستوفىً‏.‏

وأما الآية الثانية، وهي آية حم فصلت، فقد مر منه البحث عنه مفصلاً مستوفى في المثال الأول من أمثلة الجهة الرابعة‏.‏

وقوله‏:‏ إن محلاً‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، المحل والمرتحل‏:‏ مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال، واسما زمان، أي وقت حلول، ووقت ارتحال‏.‏ والحلول بالمكان‏:‏ النزول به‏.‏ والارتحال عنه‏:‏ الانتقال عنه‏.‏

وبالأول فسرها صاحب التلخيص‏.‏ أي‏:‏ إن لنا في الدنيا حلولاً، وإن لنا عنها ارتحالاً‏.‏

قال السعد‏:‏ حذف المسند، وهو هنا ظرف قطعاً، لقصد إلخ تصار والعدول إلى أقوى الدليلين، أعني العقل مع اتباع الاستعمال لاطراد الحذف، في نحو‏:‏ إن مالاً وإن ولداً، وإن زيداً وإن عمراً‏.‏ وقد وضع سيبويه لهذا باباً، فقال‏:‏ هذا باب إن مالاً وإن ولداً‏.‏

قال عبد القاهر‏:‏ لو أسقطت إن لم يحسن الحذف، ولم يجز، لأنها الحاضنة له، والمتكلفة بشأنه، والمترجمة عنه‏.‏ وفيه أيضاً ضيق المقام، والمحافظة على الشعر‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ أقوى الدليلين‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، أشار إلى أن قرينة الحذف في البيت حالية، بخلاف ما قبله من الأمثلة فإن مقالتها لفظية‏.‏

قال ابن يعيش‏:‏ قولهم‏:‏ إن مالاً وإن ولداً وإن عدداً، كأنه وقع في جواب‏:‏ ألهم مال وولد وعدد‏؟‏ فقيل‏:‏ ذلك، أي‏:‏ إن لهم مالاً وإن لهم ولداً‏.‏ ولم يحتج إلى إظهاره لتقدم السؤال عنه‏.‏

وقول السعد‏:‏ وقد وضع سيبويه لهذا باباً، فقال‏:‏ هذا باب إن مالاً، أقول‏:‏ ليست ترجمة الباب ما ذكره، وإنما هي‏:‏ هذا باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف إلخ مسة لإضمارك ما يكون مستقراً لها، وموضعاً لو أظهرته‏.‏

وليس هذا المضمر بنفس المظهر‏.‏ وذلك إن مالاً وإن ولداً وإن عدداً، أي‏:‏ إن لهم مالاً إلى آخر ما ذكره‏.‏

وتقدير إلخ بر مقدماً في البيت وغيره إنما هو الأولى، وليس بواجب، لتنكير الاسم، لأن إلخ بار عن النكرة في باب إن جائز، كما قاله ابن مالك، وتبعه الشارح هنا‏.‏

وكأن ابن الملا لم يمر به هذا، لأنه قال في شرح المغني‏:‏ وإنما جعل التقدير إن لنا حلولاً، دون إن حلولاً لنا مع أنه الأصل، لما أن هذ إلخ بر لو ذكر لكان واجب التقديم لكون الاسم نكرة، وكل مقدر صناعة إنما قدر في الموضع الذي يليق به‏.‏ هذا كلامه‏.‏

وقوله‏:‏ وإن في السفر‏:‏ هو جمع سافر، قال صاحب الصحاح‏:‏ سفرت أسفر سفوراً‏:‏ خرجت إلى السفر، فأنا سافر، وقوم سفر مثل صاحب وصحب، وسفار مثل راكب وركاب‏.‏ والسفر، بفتحتين‏:‏ قطع المسافة‏.‏ انتهى‏.‏

وإليه ذهب السعد، فقال‏:‏ السفر‏:‏ جمع سافر‏.‏ قال‏:‏ والسفر‏:‏ الرفاق قد توغلوا في المضي لا رجوع لهم‏.‏ ونحن على إثرهم عن قريب‏.‏

وقد غفل صاحب القاموس عن كلام الصحاح، فقال‏:‏ السافر‏:‏ المسافر، ولا فعل له‏.‏ وتبعه ابن الملا، فقال‏:‏ السفر اسم مفرد وضع لمعنى الجمع عند سيبويه، بدليل تصغيره على لفظه، فهو اسم جمع لسافر بمعنى مسافر، لا فعل له كما نص عليه صاحب القاموس، وجمع مكسر له عند إلخ فش‏.‏

وهذ إلخ لاف جار في كل ما يجيء من تركيبه اسم يقع على الواحد كصاحب من صحب، وراكب من ركب، بخلاف نحو غنم ورهط، فإنه اسم جمع اتفاقاً‏.‏ والسافر‏:‏ إلخ ارج إلى السفر‏.‏ والسفر‏:‏ إلخ ارجون إليه‏.‏ هذا كلامه‏.‏

وإنما قدر الشارح المحقق مضافاً قبل السفر تبعاً لابن يعيش، ليصح الحمل؛ فإن الظرف خبر عن قوله‏:‏ مهلا بفتحتين‏.‏

قال ابن يعيش‏:‏ يقول‏:‏ في رحيل من رحل ومضى مهل، أي‏:‏ لا يرجع‏.‏ والمهل‏:‏ السبق‏.‏ انتهى‏.‏

ومجيئه بها المعنى معروف‏.‏ قال السكري في شرح ديوان إلخ طل عند قوله في عبد الله بن معاوية‏:‏

قرم تمهل في أمية لم يكن *** فيها بذي أبن ولا خوار

المهل‏:‏ السبق والتقدم‏.‏ والأبن‏:‏ العوج والعقد تكون في العود‏.‏ والخوار‏:‏ الضعيف‏.‏

ولم يذكر هذا المعنى في الصحاح، ولا في القاموس، إلا أنه فيه‏:‏ المهل‏:‏ التقدم بالخير‏.‏ وأراد بالسبق والفوت عدم الرجوع‏.‏

وسبقهما الأعلم، قال‏:‏ أراد بالسفر من رحل من الدنيا‏.‏ فيقول‏:‏ في رحيل من رحل، ومضى مهل، أي‏:‏ لا يرجع‏.‏ انتهى‏.‏

وذهب ابن الحاجب في أماليه إلى أن المهل فيه بمعنى الإمهال والتأني‏.‏ قال‏:‏ معناه أنهم يقولون إن لنا محلاً فغي الدنيا، وارتحالاً بالموت، وإن في مضي من قبلنا - يعني‏:‏ موت من يموت - مهلة لنا‏.‏ لأنا نبقى بعدهم، وهو معنى الإمهال‏.‏

وتبعه ابن هشام في المغني، فقال‏:‏ أي إن لنا حلولاً في الدنيا، وارتحالاً عنها إلى إلخ رة، وإن في الجماعة الذين ماتوا قبلنا إمهالاً لنا، لأنهم مضوا قبلنا، وبقينا بعدهم‏.‏

قال ابن الحنبلي فيما كتبه على المغني‏:‏ فيه تنبيه على أن المهل هو الإمهال المتعدي بمعنى الإنظار‏.‏

ولم أر في كتب اللغة مهلته مهلاً بالفتح‏:‏ أنظرته‏.‏ ولكن مهل مهلاً بالفتح‏:‏ ضد عجل‏.‏ وأمهلته‏:‏ أنظرته‏.‏

وفي الحديث‏:‏ إذا سرتم إلى العدو فمهلاً مهلاً، وإذا وقعت العين على العين فمهلاً مهلاً ‏.‏ فالأولان بالسكون بمعنى التأني، والآخران بالفتح بمعنى التقدم‏.‏ أي‏:‏ إذا سرتم فتأنوا، وإذا لقيتم فاحملوا‏.‏ انتهى‏.‏

ونقل ابن الملا عن أبي عبيدة انه قال‏:‏ المعنى‏:‏ إن منا مقيماً، وإن منا مسافراً، وإن في السفر إذا مضوا مهلاً، أي‏:‏ ذهاباً لا يرجعون بعده‏:‏ ويجوز أن يكون مهلاً بمعنى عبرة‏.‏ يريد‏:‏ إن فيمن مات عبرة للأحياء‏.‏ وإذ هنا‏:‏ ظرف عامله ما بعده‏.‏

وظاهر كلام ابن الحاجب السابق أنها بدل من قوله‏:‏ في السفر‏.‏ وقيل‏:‏ هي للتعليل هنا‏.‏ وهل هذه حرف بمنزلة لام العلة، وظرف والتعليل مستفاد من قوة الكلام، لا من اللفظ‏؟‏ قولان‏.‏

قال ابن هشام في المغني‏:‏ ومما حملوه على التعليل هذا البيت‏.‏ انتهى‏.‏

ورواية سيبويه‏:‏

وإن في السفر ما مضى مهلا

وعليها يكون السفر مفرداً وصفاً كصعب، بمعنى المسافر‏.‏ قال في القاموس‏:‏ يقال‏:‏ رجل سفر‏.‏

وروي في كتابه أيضاً‏:‏

وإن في السفر ما مضى مثلا

قال الأعلم‏:‏ أي‏:‏ فيمن مضى مثل لمن بقي، أي‏:‏ سيفنى كما فني هذا‏.‏ والبيت مطلع قصيدة للأعشى ميمون، مدح بها سلامة ذا فائش الحميري‏.‏ وبعده‏:‏

استأثر الله بالوفاء وبال *** عدل وولى الملامة الرجلا

إلى أن قال‏:‏

أصبح ذو فائش سلامة ذو التف *** ضال هشاً فؤاده جذلا

أبلج لا يرهب الهزال ول *** ينقض عهداً ولا يخون إلا

يا خير من يركب المطي ول *** يشرب كأساً بكف من بخلا

قلدتك الشعر يا سلامة ذا ال *** تفضال والشعر حيثما جعلا

والشعر يستنزل الكريم كما اس *** تنزل رعد السحابة السبلا

روى صاحب الأغاني بسنده إلى سماك بن حرب، أن الأعشى، قال‏:‏ أتيت سلامة ذا فائش، وأطلت المقام ببابه، حتى وصلت إليه بعد مدة، وأنشدته هذه القصيدة، قال‏:‏ صدقت، الشعر حيثما جعل‏.‏ وأمر لي بمائة من الإبل، وكساني حللاً، وأعطاني كرشاً مدبوغة مملوءة عنبراً، فبعتها بالحيرة بثلثمائة ناقة حمراء‏.‏

وترجمة الأعشى تقدمت في الشاهد الثالث والعشرين من أوائل الكتاب‏.‏ واستأثر الله بكذا، أي‏:‏ اختص به‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الثاني والثمانون بعد الثمانمائة

خلا أن حياً من قريش تفضلو *** على الناس وأن الأكارم نهشلا

على أن هذا البيت يرد على الكوفيين في اشتراطهم لحذف إلخ بر تنكير الاسم، وعلى الفراء في اشتراطه تكرير أن، فإنه حذف خبر أن المفتوحة الهمزة الثانية، وبدلالة ما قبله، تقديره‏:‏ تفضلوا‏.‏ واسمها معرفة وهي غير مكررة‏.‏ وأما أن الأولى المفتوحة الهمزة أيضاً، فخبرها مذكور‏.‏

وقول الشارح‏:‏ وقال الشاعر معطوف على قوله‏:‏ روي أن المهاجرين قالوا‏:‏ يا رسول الله‏.‏‏.‏إلخ‏.‏

قال ابن جني في باب شجاعة العربية من إلخ صائص‏:‏ قد حذف خبر أن مع النكرة خاصة نحو‏:‏

إن محلاً وإن مرتحلا

وأصحابنا يجيزون حذف خبر إن مع المعرفة، والكوفيون يأبون حذف خبرها، إلا مع النكرة‏.‏ فأما احتجاج أبي العباس عليهم بقوله‏:‏

خلا أن حياً من قريش تفضلو *** على الناس وأن الأكارم نهشلا

أي‏:‏ وأن الأكارم نهشلاً فضلوا‏.‏ فقد قال أبو علي‏:‏ هذا لا يلزمهم، لأن لهم أن يقولوا‏:‏ إنما منعنا حذف خبر المعرفة مع إن المكسورة، فأما مع أن المفتوحة فلا نمنعه‏.‏

قال‏:‏ ووجه فصلهم فيه بين المكسورة والمفتوحة أن المكسورة حذف خبرها، كما حذف خبر نقيضها، وهو قولهم‏:‏ لا بأس ولا شك، أي‏:‏ عليك، وفيه‏.‏ فكما أن لا تختص بالنكرات فكذلك إنما يشبهها نقيضها في حذف إلخ بر مع النكرة أيضاً‏.‏ انتهى‏.‏

وقد أجرى إلخ لاف بين البصريين والكوفيين، ولم يجر للفراء ذكراً، وأفاد أن وبمعنى الواو، وخلا من أدوات الاستثناء، وأن في الموضعين مفتوحة‏.‏

والحي‏:‏ القبيلة‏.‏ وكأنه أراد بتنكيره بني هاشم‏.‏ ومن قريش صفة لحي‏.‏ وتفضلوا‏:‏ خبر أن‏.‏ ومعناه‏:‏ رجحوا على الناس بالفضل والمزية‏.‏ والأكارم‏:‏ جمع أكرم‏.‏

ونهشلاً‏:‏ بدل من الأكارم‏.‏ ونهشل هو أبو قبيلة، وهو نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم‏.‏ كذا في الجمهرة‏.‏

والبيت نسبه ابن يعيش إلى إلخ طل‏.‏ وله في ديوانه قصيدة على هذا الوزن والروي، ولم أجده فيها‏.‏ والله أعلم‏.‏

وكذا نسبه ابن الشجري في أماليه إلى إلخ طل، وقال‏:‏ أراد‏:‏ وأن الأكارم نهشلاً تفضلوا على الناس‏.‏ والبيت آخر القصيدة‏.‏ هذا كلامه‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الثالث والثمانون بعد الثمانمائة

وهو من شواهد س‏:‏

ليت شعري مسافر بن أبي عم *** رو وليت يقولها المحزون

على أن الاستفهام بعد ليت شعري قد يحذف، كما في البيت، وتقديره‏:‏ ليت شعري، أتجتمع أم لا‏.‏

وهو في هذا تابع لابن الحاجب في شرح المفصل؛ وهو مبني على رواية صاحب الأغاني والسهيلي لهذا الشعر، فإنهما رويا بعده‏:‏

بورك الميت الغريب كما بو *** رك غصن الريحان والزيتون

وليس فيه استفهام‏.‏ وأما على رواية أبي هفان عبد الله بن أحمد المهزمي، فإن بعده‏:‏

أي شيء دهاك أم غال مر *** ك وهل أقدمت عليك المنون

فهذا هو الاستفهام الذي يأتي بعد ليت شعري، فلا حذف فيه‏.‏ غايته أنه فصل بينهما باعتراض بجملتين‏:‏ إحداهما‏:‏ مسافر بن أبي عمرو‏.‏

والثانية‏:‏ وليت يقولها المحزون‏.‏ وكأنهما لم يقفا عليه‏.‏

وقول الشارح المحقق‏:‏ ومسافر منادى يعني أنه مبني على الضم‏.‏ ويجوز فتحه لوصفه بابن، لأن ابناً مضاف إلى ما هو كالعلم لشهرته به‏.‏

قال النحاس‏:‏ مسافر‏:‏ نداء، وهو مضموم فيما قرأته على أبي إسحاق‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه مفتوح كما تقول‏:‏ يا زيد بن عبد الله‏.‏ انتهى‏.‏

ومراده الرد على الأعلم الشنتمري‏.‏ من وجهين، فإنه قال‏:‏ نصب مسافر على معنى شعري خبر مسافر، أي‏:‏ ليتني أعلم خبره، فحذف إلخ بر المنصوب بالمصدر، وأقام مسافر مقامه‏.‏ ويجوز رفعه على خبر ليت‏.‏ انتهى‏.‏

ولغفلته عن كونه منادى، توهم الفتح أنه مفعول شعري على حذف مضاف‏.‏ وفيه غفلة أخرى عن أن مفعول شعري هنا، إنما يكون جملة استفهام، وتوهم الضم أنه خبر ليت‏.‏ وفيه غفلة أخرى عن أن خبرها يكون واجب الحذف‏.‏

وقول الشارح‏:‏ وهذا الاستفهام مفعول شعري‏.‏‏.‏إلخ، هذا التحقيق لابن جني كما يأتي‏.‏

وقوله أيضاً‏:‏ وقال المصنف‏:‏ الاستفهام قائم مقام إلخ بر هذا القول ليس له، وإنما هو تابع‏.‏

قال المرادي في شرح التسهيل وغيره‏:‏ وذهب المبرد والزجاج إلى أن جملة الاستفهام هي إلخ بر، وموضعها رفع، وشعري ملغى‏.‏ ورد بأن الطلب لا يكون خبراً لليت، وبأن الجملة لا رابط فيها‏.‏ ونسبه في الإفصاح إلى سيبويه، قال‏:‏ وتحقيقه أن شعري بمعنى مشعوري، فالجملة نفس المبتدأ، فلا يحتاج إلى رابط‏.‏ انتهى‏.‏

قال الدماميني في شرح التسهيل بعد نقل هذا‏:‏ قلت‏:‏ ينبغي أن يكون أصل التقدير‏:‏ ليت مشعوري جواب هل قام زيد، فالجملة مراد بها لفظها، أي‏:‏ جواب هذا اللفظ، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه‏.‏ والمعنى‏:‏ ليت معلومي قيام زيد، وعدم قيامه، لأن أحد هذين الأمرين جواب الاستفهام، فلو لم يعتبر هذا الحذف، لم يستقم ظاهراً‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله أيضاً‏:‏ وقال ابن يعيش الاستفهام ساد مسد إلخ بر، هذا أيضاً ليس لابن يعيش، وإنما هو لغيره‏.‏

قال ابن جني عند قول الحماسي‏:‏

ليت شعري ضلةً *** أي شيء قتلك

اعلم أن خبر ليت في نحو هذا محذوف، وصار طول الكلام بمفعول شعري نائباً عن خبر ليت‏.‏

وذلك أن قوله‏:‏ أي شيء قتلك‏؟‏ جملة استفهامية منصوبة الموضع بشعري، الذي هو مصدر شعرت‏.‏

تقول‏:‏ شعرت به شعرة، فهي فعلة كالدرية، والفطنة، غير أن الهاء حذفت مع الإضافة، كقولهم‏:‏ هو أبو عذرها وإنما هي العذرة‏.‏ قال‏:‏

دماؤهم ليس لها طالب *** مطلولة مثل دم العذره

فهو كقولك‏:‏ ليتني أشعر، أي شيء قتلك، كقولك‏:‏ قد علمت أي شيء قتلك، والخبر محذوف تقديره‏:‏ ليت شعري أي شيء قتلك واقع، وكائن، ونحو ذلك‏.‏ فحذف إلخ بر، وصار طول الكلام بمعمول شعري بدلاً في اللفظ منه، وساداً بطوله مسده‏.‏ وانتصب صلة بما دل عليه ليت شعري‏.‏

ألا ترى أنه إذا تمنى علم الشيء فقد اعترف بضلاله عنه‏.‏ والتقدير‏:‏ ضللت عن معرفة قاتلك ضلة‏.‏ انتهى‏.‏

فصاحب هذا القول اعترف بحذف إلخ بر لطول الكلام بجملة الاستفهام، وجملة الاستفهام نائبة عن إلخ بر، فورد عليه ما ذكره الشارح المحقق‏.‏

فإن قلت‏:‏ أليس هذا مثل ضربي زيداً قائماً، فإن الحال سدت مسد إلخ بر كما ذكره الشارح قبل بأسطر، وهي من جملة ذيول المصدر‏؟‏ قلت‏:‏ إلخ بر يقدر قبلها، وليست حالاً من زيد‏.‏ والتقدير عند سيبويه والجمهور‏:‏ ضربي زيداً، إذا كان قائماً، فالخبر زمان مضاف إلى فعل صاحبها المستتر في كان‏.‏

وعند إلخ فش‏:‏ ضربي زيداً ضربه قائماً‏.‏ فالخبر ضربه المحذوف، وصاحبها الهاء‏.‏ فليست الحال في التقديرين من ذيول المصدر المذكور‏.‏ فظهر وجه اعتراض الشارح المحقق‏.‏

هذا‏.‏ وقد أورد سيبويه البيت في باب تسمية الحروف والكلم التي تستعمل، وليست ظروفاً ولا أسماء ولا أفعالاً‏.‏

قال الأعلم‏:‏ الشاهد في إعراب ليت وتأنيثها، لأنه جعلها اسماً للكلمة، وأخبر عنها، كما يخبر عن الاسم المؤنث‏.‏

والبيتان المذكوران أولاً من تسعة أبيات لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، رثى بها مسافراً المذكور‏.‏ وبعدهما‏:‏

أنا حاميك مثل آبائي الزه *** ر لآبائك التي لا تهون

ميت صدق على هيالة أمسي *** ت ومن دون ملتقاك الحجون

بورك الميت الغريب كما بو *** رك نضح الرمان والزيتون

كنت لي عدةً وفوقك لا فو *** ق فقد صرت ليس دونك دون

كان منك اليقين ليس بشاف *** كيف إذ رجمتك عندي الظنون

كنت مولىً وصاحباً صادق إلخ ب *** رة حقاً وخلةً لا تخون

فعليك السلام مني كثير *** أنفدت ماءها عليك الشؤون

هذا ما في ديوان أبي طالب‏.‏ وروى صاحب الأغاني ما بعد البيت الأول كذا‏:‏

رجع الركب سالمين جميع *** وخليلي في مرمس مدفون

بورك الميت الغريب كما بو *** رك غصن الريحان والزيتون

ميت صدق على هبالة قد ح *** لت فياف من دونه وحزون

مدرة يدفع إلخ صوم بأيد *** وبوجه يزينه العرنين

كم خليل رزئته وابن عم *** وحميم قضت عليه المنون

فتعزيت بالتأسي وبالصب *** ر وإني بصاحبي لضنين

ونسب السهيلي هذا الشعر لأبي سفيان، وأورد بعد البيت الأول‏:‏

بورك الميت الغريب إلخ

وقال‏:‏ قاله في مسافر بن أبي عمرو بن أمية، واسم أبي عمرو ذكوان، وكان مسافر مات في حب صعبة بنت الحضرمي‏.‏

وهذا بخلاف ما أورده صاحب الأغاني، قال‏:‏ إن مسافر بن أبي عمرو كان من فتيان قريش جمالاً وسخاء وشعراً، عشق بنت عتبة بن ربيعة، فعشقته واتهم بها، فحملت منه، فلما بان حمله وكاد، قالت‏:‏ اخرج‏.‏ فخرج حتى أتى الحيرة‏.‏ ثم إنه ألقى أبا سفيان فسأله عن حال قريش والناس فأخبره، وقال فيما قاله‏:‏ وتزوجت عند بنت عتبة‏.‏ فدخله من ذلك ما أعله حتى استسقى بطنه، فدعي له بالأطباء، فقالوا‏:‏ لا دواء له غير الكي‏!‏ فأحمى الذي يعالجه المكاوي، فلما صارت كالنار، قال‏:‏ ادع أقواماً يمسكونك‏.‏ فقال مسافر‏:‏ لست أحتاج إلى ذلك‏.‏ فجعل يضع المكاوي عليه، فلما رأى جلده ضرط الطبيب، فقال مسافر‏:‏ العير يضرط والمكواة في النار‏!‏ فذهبت مثلاً‏.‏ فلم يزدد إلا ثقلاً، فخرج يريد مكة، فلما انتهى إلى موضع يقال له‏:‏ هبالة مات فدفن بها، ونعي إلى قريش، فقال أبو طالب هذا الشعر‏.‏

وقال النوفلي في خبره‏:‏ وحدثني أنه إنما ذهب مسافر إلى النعمان بن المنذر يتعرض لإصابة مال ينكح به هنداً، فأكرمه النعمان واستظرفه ونادمه، وضرب عليه قبة من أدم‏.‏ وكان الملك إذا فعل برجل عرف قدره منه ومكانه عنده‏.‏

وقدم أبو سفيان بن حرب في بعض تجاراته فسأله مسافر عن حال الناس بمكة، فذكر أنه تزوج هنداً، فاضطرب مسافر واعتل حتى مات‏.‏ قال بعض الناس‏:‏ إنه استسقى بطنه فكوي، فمات بهذا السبب‏.‏

ثم أورد صاحب الأغاني حكاية هند بنت عتبة، وطلاقها من زوجها الفاكه بن المغيرة، وتزوجها بأبي سفيان‏.‏ انتهى‏.‏

وكذا أورد الحكاية المفضل بن سلمة في كتاب الفاخر، قال‏:‏ روى أبو الحسن الدمشقي أن مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، كان يهوى هنداً بنت عتبة، وكانت تهواه، فقالت له‏:‏ إن أهلي لا يزوجونني منك لأنك معسر، فلو وفدت إلى بعض الملوك لعلك تصيب مالاً‏.‏ فرحل إلى الحيرة وافداً إلى النعمان، فبينا هو مقيم عنده‏.‏ إذ قدم عليه قادم من مكة، فسأله عن خبر أهل مكة بعده‏:‏ فأخبره بأشياء كان فيها أن أبا سفيان تزوج هنداً‏.‏ فطعن من الغم، فأمر النعمان بن أن يكوى، فأتاه الطبيب بمكاويه فجعلها في النار، ثم وضع مكواة منها عليه، وعلج من علوج النعمان واقف، فلما رآه يكوى ضرط، فقال مسافر‏:‏ قد يضرط العير والمكواة في النار‏!‏‏.‏ ويقال إن الطبيب، ضرط‏.‏ انتهى‏.‏

وأثنى عليه الزبير بر بكار في أنساب قريش، قال‏:‏ كان أزواد الركب من قريش ثلاثة‏:‏ مسافر بن أبي عمرو بن أمية، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وإنما قيل لهم أزواد الركب لأنهم كانوا إذا سافروا لم يتزود معهم أحد‏.‏

وقوله‏:‏ أي شيء دهاك من دهاه الأمر يدهاه دهياً، إذا نزل به ما لا يطيق دفعه، بغتة‏.‏ ومنه الداهية، وهي النائبة والنازلة‏.‏ وغاله غولاً، إذا أهلكه على غفلة‏.‏ والاسم الغيلة بالكسر‏.‏ والمرأى، بفتح الميم‏:‏ المنظر الحسن‏.‏ والمنون، بفتح الميم‏:‏ الموت‏.‏

وقوله‏:‏ أنا حاميك‏.‏‏.‏إلخ، حماه يحميه، إذا دفع عنه ما يكره من سوء المقال‏.‏ والزهر‏:‏ جمع أزهر، وهو الأبيض، يريد به النقي من الذم والعيب‏.‏ واللام بمعنى من أجل‏.‏

وتهون‏:‏ مضارع هان هوناً بالضم، إذا ذل وحقر‏.‏ والمهانة‏:‏ الذل والضعف‏.‏

وقوله‏:‏ ميت صدق‏.‏‏.‏إلخ، قال الصاغاني‏:‏ كل ما نسب إلى الصلاح والخير أضيف إلى الصدق، فقيل‏:‏ رجل صدق، وصديق صدق‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق‏}‏، أي‏:‏ أنزلناهم منزلاً صالحاً‏.‏ وتبالة، بفتح المثناة الفوقية بعدها موحدة‏:‏ اسم قرية بالطائف‏.‏

وقال أبو هفان‏:‏ تبالة عرض من أعراض مكة‏.‏ وأمسيت بالخطاب‏.‏ والحجون، بفتح الحاء المهملة وضم الجيم‏:‏ جبل مشرف بمكة‏.‏

وقوله‏:‏ بورك الميت‏.‏‏.‏إلخ، جملة دعائية‏.‏ والبركة‏:‏ الزيادة‏.‏ والنضح، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة، قال أبو هفان‏:‏ النضح‏:‏ القليل، والنضخ‏:‏ الكثير‏.‏

في الصحاح‏:‏ الأصمعي‏:‏ نضح الشجر، إذا تفطر ليخرج ورقه‏.‏ وأراد به اسم المفعول، أي‏:‏ الفروع المنشقة عندما يخرج‏.‏ والزيتون‏:‏ معطوف على نضح‏.‏

وقوله‏:‏ كان منك اليقين‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، قال أبو هفان‏:‏ يقول‏:‏ لا أصدق باليقين في موتك، استعظاماً لموته‏.‏ ورجمتك، بتشديد الجيم‏:‏ مبالغة رجمه بالغيب، أي‏:‏ ظن فيه من غير دليل‏.‏

وقوله‏:‏ كنت مولى‏.‏‏.‏إلخ، قال أبو هفان‏:‏ المولى‏:‏ ابن العم‏.‏ والخلة، بضم إلخ اء المعجمة‏:‏ الصديق، وأصله المصدر، أطلق مبالغة‏.‏

وقوله‏:‏ فعليك السلام‏.‏‏.‏إلخ، هذا سلام مودع‏.‏ وأنفدت، بالدال المهملة، بمعنى أفنت‏.‏

وماءها‏:‏ مفعول مقدم‏.‏ والشؤون‏:‏ مواصل قبائل الرأس وملتقاها، ومنها تجيء الدموع‏.‏

وقوله في الرواية الثانية‏:‏ في مرمس مدفون المرمس، كالمدفن وزناً ومعنى‏.‏

وقوله‏:‏ مدره يدفع‏.‏‏.‏إلخ، المدره، بكسر الميم وآخره هاء، قال الجوهري‏:‏ درهت عن القوم‏:‏ دفعت عنهم، مثل درأت، وهو مبدل منه‏.‏ والمدره‏:‏ زعيم القوم والمتكلم عنهم‏.‏ والأيدي‏:‏ جمع يد، وهي القوة‏.‏

ومسافر المذكور مات في الجاهلية‏.‏ وتقدمت ترجمة أبي طالب في الشاهد الحادي والتسعين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

فإن شفاءً عبرة مهراقة

على أنه يجوز في باب إن إلخ بار عن نكرة بنكرة، كما في هذا المصراع‏.‏ وتمامه‏:‏

فهل عند رسم دارس من معول

وتقدم شرحه مفصلاً في الشاهد الحادي والأربعين بعد السبعمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

أظبي كان أمك أم حمار

على أنه يجوز في باب كان إلخ بار عن النكرة بالمعرفة، كما في هذا المصراع‏.‏ وهو عجز، وصدره‏:‏

فإنك لا تبالي بعد حول

وتقدم شرحه هناك في الشاهد الرابع والعشرين بعد إلخ مسمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏